ابن تيمية

8

مجموعة الرسائل والمسائل

أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً . والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفنناً ، فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا ، والخروج من دواعي الهوى ، وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ، ويرفع عن قلبه الحجاب ، ومن كوشف بصدق اليقين أغني بذلك عن رؤية خرق العادات ، لأن المراد منها كان حصول اليقين ، وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقيناً ، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به ، وتقتضي الحكمة كشف ذلك لآخر لموضع حاجته ، وكان هذا الثاني يكون أتم استعداداً وأهلية من الأول ، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة ، فهي كل الكرامة . ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك ، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة . فتعلم هذا لأنه أصل كبير للطالبين ، والعلماء الزاهدين ، ومشايخ الصوفية . فصل كلمات الله تعالى نوعان : كلمات كونية ، وكلمات دينية . فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر " وقال سبحانه ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) وقال تعالى ( وتمت كلمات ( 1 ) ربك صدقاً وعدلاً ) والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق الكشفية التأثيرية . والنوع الثاني الكلمات الدينية وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي : أمره ونهيه وخبره ، وحظ العبد منها العلم بها والعمل ، والأمر

--> ( 1 ) وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف هكذا ( كلمت ) وقرئت بالافراد